رئيسي... صقر المحافظين إلى كرسي الرئاسة

الإصلاحيون الخاسر الأكبر بعد فوز حليف خامنئي بالانتخابات الإيرانية
إبراهيم رئيسي

الأهواز:اُعلن يوم السبت الماضي عن فوز إبراهيم رئيسي - من صقور المحافظين وحليف المرشد العام علي خامنئي- بوصفه الرئيس الثالث عشر للجمهورية الإسلامية في إيران. ووفقا لوزير الداخلية الإيراني، يبلغ عدد المؤهلين للتصويت في إيران 59 مليونا و310 آلاف و307 أشخاص، فيما شارك نحو 48.8 في المائة من هؤلاء في التصويت.

ووزعت وكالة «تسنيم»المقربة للحرس الثوري نسب المرشحين كالتالي: إبراهيم رئيسي 61.95 في المائة، الأصوات الباطلة 12.88 في المائة، محسن رضائي 11.79 في المائة، عبدالناصر همتي 8.38 في المائة، أميرحسين قاضي زادة هاشمي 3.45 في المائة.

كما تبلغ نسبة المشاركة في محافظة طهران 34 في المائة، وفي طهران العاصمة 25 في المائة وهذا يعني أن بين كل 4 أشخاص في طهران لم يصوت إلا شخص واحد، كما بلغت نسبة المشاركة في مدينة الأهواز التي تقطنها أغلبية عربية 36 في المائة، وفي كردستان- ذات الغالبية الكردية- 37.4 في المائة، وفي تبريز عاصمة إقليم أذربيجان 30 في المائة.

يعتبر خامنئي من أهم داعمي رئيسي

ماذا تعني هذه النسب ومن هم الخاسرون والرابحون؟

إذا قبلنا بهذه الإحصائيات الرسمية والتي يشكك البعض في صحتها ويدعي أن نسبة المشاركة أقل من هذا، يمكننا القول أن 12.88 في المائة من الذين أبطلوا أصواتهم هم من المحتجين والمعارضين للنظام الإيراني ومعظمهم من العاملين في الجيش أو الموظفين في الوزارات والدوائر الحكومية وشبه الحكومية، وقد صوتوا ليكون هناك ختم على بطاقة هويتهم ليحتفظوا بأشغالهم ولايفقدوا لقمة عيشهم. النتائج تظهر أن مقاطعي الانتخابات يشكلون النسبة الأكبر والأول في الانتخابات الرئاسية لعام 2021، يليهم موالو إبراهيم رئيسي والمتشددون، والرتبة الثالثة لأصحاب الأصوات الباطلة. هذا يعني أن نحو 51 في المائة من الإيرانيين أي المقاطعين يريدون إسقاط النظام برمته، وأكثر من 21 في المائة من الإيرانيين (أصحاب الأصوات الباطلة والمصوتين لهمتي) يعارضون النظام أو المتشددين بشكل أو بآخر، وبهذا يصل عدد المعارضين للمتشددين والمحافظين إلى نحو 72 في المائة من الإيرانيين. كما يعني أن 28 في المائة من الإيرانيين- الذين صوتوا لرئيسي ورضائي- يوالون المتشددين والمحافظين وعلى رأسهم خامنئي وهذه هي قاعدتهم الاجتماعية في إيران لا أكثر.

الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات هم الإصلاحيون الذين أذعنوا لنداءات زعيمي حركة الإصلاحات- الرئيس الأسبق محمد خاتمي، ورئيس البرلمان الأسبق مهدي كروبي- وصوتوا لصالح عبدالناصر همتي، لكن فاجأتهم النتيجة خلافا للانتخابات الرئاسية السابقة التي فاز فيها حسن روحاني على غريمه رئيسي. فينبغي التذكير بأن هناك أطيافا من الإصلاحيين ومنهم جبهة الإصلاحات ومير حسين موسوي- المحتجز في منزله منذ 2011- قاطعوا الانتخابات، وبذلك ظهر الانشقاق في صفوف الإصلاحيين. إذ أكدت هذه الانتخابات الرئاسية أن التيارين الإصلاحي والمتشدد- اللاعبين الرئيسيين على الساحة السياسية الإيرانية خلال الأعوام الـ25 الماضية- أصبحا واهنين أمام المد المعارض لكل النظام الديني في إيران والمطالب بإسقاطه أو تغييره بشكل أو بآخر. وقد حدث هذا التحول الفكري والسياسي بعد انتفاضتي 2017 و2019 حيث سقط خلال الأخيرة نحو 1500 متظاهر، ليس لسبب إلا معارضتهم لغلاء البنزين. ويبدو أننا أمام مسار نزولي للنظام الإيراني يماثل ما حدث للنظام المصري في عهد حسني مبارك، حيث انحفضت نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية خلال الأعوام التي سبقت ثورة 2011 مع الأخذ بعين الاعتبار السمات الخاصة بكلا البلدين.

نسبة الـ25 في المائة للمشاركة في طهران، منخفضة جدا تعبر عن استياء الجماهير المسيسة والواعية التي ستلعب دورا مهما في معارضتها للنظام الحاكم في إيران باعتبارها العاصمة التي تضم مختلف القوميات. كما أن نسبة المشاركة في أذربيجان وعربستان وكردستان هي الأقل قياسا لسائر المحافظات الفارسية وهذا يؤكد على رفض الأذريين والكرد والعرب لسياسات النظام الرافضة لحقوقهم القومية ودورهم المناهض للنظام في المستقبل.

تتهم أوساط المعارضة الإيرانية طهران بتصفية معارضيها

رئيسي والاقتصاد دون النفط

لا يتوقع أحد من إبراهيم رئيسي أن يفتح الأجواء السياسية والاجتماعية في إيران أو يقلل من وتيرة القمع، بل نتوقع عكس ذلك. فهو لم يهتم أساسا بهذه الأمور بل ركز في برنامجه الانتخابي على الاقتصاد وذلك في إطار ما يسمى الاقتصاد المقاوم الذي نادى به المرشد علي خامنئي، إذ أكد رئيسي في حملته الانتخابية أنه سينقل البلاد من الاقتصاد القائم على إيرادات النفط إلى الاقتصاد الإنتاجي المتنوع المصادر، وأنه سيضاعف من حجم الصادرات وسيوصل نسبة معدل النمو الاقتصادي إلى 5 في المائة في العام الإيراني المقبل وسيؤمن كل احتياجات العملة الصعبة للبلاد عن طريق تصدير المنتوجات غير النفطية لتصل صادرات السلع غير النفطية من 35 مليار دولار إلى 70 مليار دولار، وكذلك سيضاعف من حجم الصادرات إلى دول الجوار من 20 مليار دولار إلى 40 مليار دولار. كما وعد بتخصيص الدعم الحكومي النقدي للفئات الاجتماعية الفقيرة والمسحوقة على شكل قرض حسن وبفوائد منخفضة وأنه سيحل معضلة السكن ببناء نحو 4 ملايين وحدة سكنية حتى نهاية فترة رئاسته. كما قدم برامج لحل مشاكل النظام الصحي والمالي والبورصة والضرائب. فهل يحقق رئيسي ما وعد به في ظل نظام سياسي يعاني من سوء الإدارة والقائم على الريع والفساد المستشري وسيطرة المرشد والعسكر على قطاعات واسعة من الاقتصاد والتفاوت الاجتماعي والطبقي الشاسع؟ هذا يبدو شبه معجزة، وإذا تمكن رئيسي من ذلك فسيبدل التاريخ اسمه من سفاح قام بالتصديق على حكم بإعدام أكثر من 4 آلاف سجين سياسي في العام 1988 إلى منقذ للاقتصاد الإيراني. لكن كل من يعرف الشأن الإيراني يدرك أن الحلول الاقتصادية في إيران رهينة الحلول السياسية، لأن المخطِط الأصلي للسياسات في البلاد ليس رئيسي بل مؤسسات نافذة أخرى تابعة لعلي خامنئي. فلا يمكن أن يقام نظام مبني على الإنتاج غير النفطي والعدالة الاجتماعية النسبية بوجود ولي فقيه يتمتع بصلاحيات مطلقة وفئات ريعية مساندة له ودون تعددية حزبية وإعلام حر.

معظم المرشحين الذين سُمح لهم بالترشح هم من المتشددين (رويترز)

المنافسة بين إبراهيم رئيسي ومجتبى خامنئي والمخاطر المقبلة

تسنم إبراهيم رئيسي سدة الرئاسة في إيران ليس في أجواء سياسية حرة أو شبه حرة بل نتيجة لمخطط سياسي مُهندس يمهد لما ستشهده إيران من فترة انتقالية من قيادة علي خامنئي للبلاد إلى شخص آخر سيخلفه خلال الأعوام الأربعة أو الثمانية المقبلة وهذا ما تحدثنا عنه في مقال سابق. لقد تحقق ما يريده المرشد الأعلى من تناسق بين رؤساء السلطات الثلاث أي انتماء جميعهم إلى التيار الأصولي المتشدد القريب لاتجاهاته الفكرية والسياسية كي تتم الفترة الانتقالية بسهولة وسلاسة دون أن يعكرها رئيس جمهورية معتدل أو إصلاحي. ونحن نعلم أن فريقا مكونا من رؤساء السلطات الثلاث سيقوم بإدارة البلاد بعد وفاة المرشد أو استقالته حتي يتم انتخاب مرشد عام جديد من قبل مجلس الخبراء، لكن هذا التناسق ليس بالضرورة أن يؤدي إلى انسجام بين هؤلاء الثلاث بل للأسباب التالية لن تشهد الجمهورية الإسلامية مثل هذا الانسجام: أولا كان الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد الأقرب فكريا وسياسيا لعلي خامنئي- حسب اعتراف الأخير- غير أنه برزت خلافات حادة بينهما خلال الفترة الثانية من عهد أحمدي نجاد أدت إلى منعه من الترشح للانتخابات الرئاسية واعتقال مساعديه. وفيما يتحدث بعض المحللين عن احتمال خلافة رئيسي لخامنئي، يعتقد آخرون أن مجتبى خامنئي- نجل المرشد الحالي- هو المرشح الأكثر حظا للخلافة. فوفق معلوماتي أن الحوزة الدينية في قم تدعم إبراهيم رئيسي مرشدا للبلاد فيما يدعم الحرس الثوري مجتبى خامنئي لهذا المنصب ومن الواضح أن القوة المسلحة ستكون هي الغالبة.

ومن المحتمل أن تشتد الخلافات بين الرجلين عندما تصبح قضية خلافة خامنئي جدية وسيتفجر الصراع بينهما في السنوات المقبلة. ومن المؤكد أن النظام الحالي لن يستطيع أن يحل المشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المستعصية وأن الفئات المتضررة كالعمال والنساء والشعوب غير الفارسية وسائر الفئات ستسغل الخلافات في رأس السلطة لصالحها وستفشل مخطط خامنئي. وفيما يتوقع البعض أن تشهد إيران انهيارا اجتماعيا كما حصل في سوريا، يتكهن آخرون أن تحولا سلميا سيتم من النظام القمعي الراهن إلى نظام جمهوري علماني، إذا انسجمت المعارضة الإيرانية.

 

رئيسي والمجتمع الدولي

ظهر رئيسي في أول مؤتمر صحافي له يوم الاثنين الماضي وكأنه صورة مصغرة لخامنئي. قال إنه لن يلتقي الرئيس الأميركي جو بايدن وانتقد الدول الأوروبية وهاجم الدور السعودي في اليمن غير أنه أشار إلى رغبة بلاده لفتح سفارتي البلدين. فتأكيد إبراهيم رئيسي على استمرار المفاوضات النووية في فيينا يظهر موافقة خامنئي على ذلك ورغبته للخروج من الضيق الاقتصادي الحاد الذي يعاني منه المجتمع الإيراني.

لقد كشفت منظمة العفو الدولية عن وجه إبراهيم رئيسي بعد انتخابه رئيسا للجمهورية مؤكدة في بيانها أن رئيسي وبدل أن يحاكم على ارتكابه جرائم ضد الإنسانية أصبح رئيسا للجمهورية. وأشارت المنظمة إلى دوره في فرقة الموت في صيف عام 1988 ومشاركته في اغتيال الآلاف من السجناء السياسيين في إيران. وأبدت فرنسا والولايات المتحدة قلقهما إزاء انتهاكات حقوق الانسان في إيران دون أن تشيرا إلى دور رئيسي في مذبحة السجون عام 88، فالمحادثات النووية في فيينا لن تتأثر كثيرا بعد انتخاب رئيسي لكن علاقات إيران مع النظام السوري وحزب الله اللبناني والحوثيين والمجموعات الموالية لإيران في العراق ستعزز أكثر فأكثر. كما أن موضوع مشاركة رئيسي في اجتماعات الأمم المتحدة أو رحلاته إلى أوروبا ستواجه مشاكل بسبب ملفه الذي أشرنا إليه.

ابراهيم رئيسي

 

من هو إبراهيم رئيسي؟

 

 

إبراهيم رئيسي رجل دين محافظ يبلغ من العمر (60 عاما) ويعد من المقربين من مرشد النظام الإيراني، علي خامئني، وينحدر الاثنان من مدينة مشهد التي تقع في شمال شرق إيران، وكان أحد طلابه هناك.

ورئيسي هو ثامن رئيس لإيران منذ اندلاع الثورة عام 1979، وسيخلف الرئيس الإصلاحي حسن روحاني الذي قضى فترتين في رئاسة البلاد.

وكان رئيسي ترشح في الانتخابات الرئاسية عام 2017 ضد روحاني، لكنه فشل بعدما حصد 38 في المئة من أصوات الناخبين فقط.

ونجح هذه المرة، بعدما أقصى مجلس صيانة الدستور عددا من المرشحين الإصلاحيين الأقوياء مثل علي لاريجاني رئيس البرلمان السابق، الأمر الذي أفضى إلى مقاطعة واسعة للانتخابات.

 

رئيسي حائز على شهادة دكتوراه في الفقه الإسلامي، وارتقى سريعاً في السلك القضائي، إذ أصبح مساعد النائب العام في طهران ولم يتجاوز عمره 25 عاما.

 

بدأ رئيسي مسيرته في أروقة السلطة عام 1981 في سلك القضاء حيث تولى منصب المدعي العام في مدينة خرج وبعدها بفترة قصيرة تولى منصب مدعي عام مدينة همدان أيضاً، جامعاً بين المنصبين.

 

وفي عام 1985 تولى منصب نائب المدعي العام للعاصمة طهران وهو المنصب الذي مهد السبيل له لعضوية «لجنة الموت» عام 1988.

 

خلال الفترة ما بين 2004 الى 2014 تولى رئيسي منصب النائب الأول لرئيس السلطة القضائية وأثناء ذلك انتخب عام 2006 عضواً في «مجلس خبراء القيادة» الذي يتولى مهمة تعيين المرشد الأعلى للثورة أو عزله. وبعد ذلك بعامين تولى منصب نائب رئيس المجلس.

 

عام 2014 تولى رئيسي منصب المدعى العام في إيران وظل في ذلك المنصب حتى مارس/ آذار 2016 حين تولى إدارة واحدة من أغنى وأهم المؤسسات الدينية في إيران، وهي مؤسسة الإمام رضا والتي تحمل اسم «آستان قدس رضوی»، وتشرف على مرقد الإمام الرضا في مشهد.

وهذا المنصب يحمل الكثير من الهيبة والنفوذ حيث تبلغ موازنة المؤسسة مليارات الدولارات وتملك نصف الأراضي في مشهد، ثاني أكبر مدن إيران، وشركات نفط وغاز ومصانع.

وفسر كثيرون تعيين رئيسي في هذا المنصب بأنه تهيئة له ليخلف المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي.

 

عين خامنئي رئيسي عام 2019 في منصب رئيس السلطة القضائية في البلاد وهو منصب بالغ الأهمية رغم خسارته الانتخابات الرئاسية أمام روحاني مما يعني أن الرجل يحظى بالثقة المطلقة من قبل المرشد.

ولدى الإعلان عن توليه ذلك المنصب غرد مساعد الناطق باسم الخارجية الأمريكية في إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب عبر تويتر قائلاً: «تعيين متورط في عمليات إعدام جماعية للمعتقلين السياسيين في منصب رئيس السلطة القضائية؟ يا له من عار».

 

كان رئيسي واحداً من القضاة الأربعة الأعضاء في ما اطلق عليها «لجنة الموت» التي كانت تقرر مصير الآلاف من معتقلي المعارضة الذين أعدموا عند انتهاء فترات محكومياتهم. وتعد تلك الإعدامات من الأحداث الأكثر سرية في تاريخ ايران ما بعد الثورة، ولم يتم التحقيق فيها رسميا قط.