عباءة المرشد فوق قيم الجمهورية

إعلان فوز المتشدد إبراهيم رئيسي في الانتخابات الرئاسية الإيرانية لم يكن أمرا مفاجئا، وخصوصا بعد غربلة الأسماء ورفض لجنة صياغة الدستور لترشح عدد من المنافسين وانسحاب عدد من المرشحين، إضافة إلى أن رئيسي هو المفضل عند المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي. ومع ذلك أثار انتخابه العديد من ردود الفعل المستهجنة، كون الرئيس المنتخب متهم بالضلوع في إعدام أكثر من 5000 إيراني في العام 1988، حين كان عضوا في لجنة من أربعة أعضاء أمرت بإعدام آلاف السجناء السياسيين في 1988.

ومع أن الحكومة الإيرانية لم تعترف يوما بالإعدامات، ولم تقدم أي معلومات حول من تم إعدامهم، إلا أن عائلة آية الله حسين علي منتظري، النائب السابق للمرشد الأعلى للثورة، نشرت بعد وفاته في العام 2016 تسجيلا صوتيا ينتقد فيه بشدة تلك الإعدامات في حديثه مع اللجنة التي كان رئيسي عضوا فيها، ووصفها بأنها «أكبر جريمة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، وسيديننا التاريخ بسببها».

كل ذلك أثار استهجان المنظمات الحقوقية في الخارج والداخل، فكيف لشخص ارتكب مثل هذه الانتهاكات أن ينتخب رئيسا للجمهورية الإسلامية في إيران، إلا أن من يتابع أكثر ما يحصل في إيران منذ العام 1979 يعرف أنه في العمق لا فرق بين إصلاحي ومتشدد، فالمرشد الأعلى في إيران هو الذي يرسم السياسات الداخلية والخارجية وهو الذي يقرر كل الخطوط العامة وما على الحكومة إلا تنفيذ قراراته تحت مراقبة لصيقة منه ومن المؤسسات التي تتبعه، وهذا نص دستوري أساسي في إيران وتحديدا في المادة الخامسة منه التي تقول: «في زمن غيبة الإمام المهدي تكون ولاية أمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل، المتقي، بأمور العصر، الشجاع القادر على الإدارة والتدبير وفقا للمادة 107»، ومشكلة الجمهورية الإسلامية في إيران أنها البلد الوحيد الذي يجعل من انتهاك حقوق الإنسان مبدأ دستوريا وقانونا تسير عليه مؤسسات الحكم المختلفة التي تلتحف بعباءة المرشد، بل إن المادة الثانية من الدستور التي حددت أسس النظام الجمهوري في إيران تخرج النظام الجمهوري عن مفهومه الحقيقي إلى فضاء آخر لا دور للشعب فيه ولا قيمة لمؤسسات الحكم الخادمة للمواطنين، حيث تقول هذه المادة في فقرتها الخامسة ما يلي: «يقوم نظام الجمهورية الإسلامية على:الإيمان بالإمامة والقيادة المستمرة ودورها الأساسي في استمرار ثورة الإسلام».

لقد اظهرت تسريبات وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، قبل أشهر، النفوذ الحقيقي الذي يتمتع به الحرس الثوري بدعم وتأييد من علي خامنئي، أما الدبلوماسية الناعمة والابتسامة اللطيفة التي ترتسم على وجوه بعض المعتدلين فيمكن اعتبارها من «عدة الشغل».

فالرئيس حسن روحاني مثلا والذي يعتبر من المعتدلين في إيران، حصلت في عهده أكبر عملية تدخل سياسية وعسكرية في دول المنطقة، من سوريا إلى العراق واليمن ولبنان، وتسببت التدخلات الإيرانية في تحويل هذه الدول إلى دول فاشلة أو على وشك الانهيار، هذا عدا الجرائم التي ارتكبت وترتكب يوميا فيها بمشاركة الحرس الثوري الإيراني وبتوجيهات من المرشد الأعلى.

ولكن يمكن قراءة انتخاب رئيسي ودعم خامنئي له كرسالة موجهة للإدارة الأميركية أكثر من غيرها، فكلما كانت الإدارة الأميركية أكثر ليونة مع النظام الإيراني، كان النظام الإيراني أكثر تشددا. وقد بدأت ملامح هذا التشدد المعلن في الظهور مع أول مؤتمر صحافي عقده الرئيس المنتخب، حيث قال إن سياسة بلاده الخارجية لن تتقيد بالاتفاق النووي، مؤكدا أن برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية«ليس خاضعا للتفاوض»، مشددا في الوقت نفسه على ضرورة رفع جميع العقوبات التي شلت الاقتصاد الإيراني كشرط أساسي للعودة إلى الاتفاق النووي.

ولكن وعلى الرغم من التعنت الإيراني بكل ما يتعلق بملفات المنطقة وأمنها، فقد أكد الرئيس الإيراني ​حسن روحاني​ قرب التوصل لإحياء ​الاتفاق النووي​ مع القوى الدولية، حيث شدد لدى ترؤسه اجتماع هيئة التنسيق الاقتصادي على ضرورة الاستعداد لتدفق الأرصدة المجمدة على عمليات التبادل المالي، مكلفا البنك المركزي والأجهزة المعنية بالتخطيط لتسريع وتيرة توفير السلع الأساسية والمواد الأولية للإنتاج المحلي، وأيضا تسريع العلاقات المصرفية الدولية وتوجيهها نحو إنعاش قطاع الإنتاج.

يبدو أن إيران واثقة إذن من قرب العودة إلى الاتفاق النووي، وانتخاب رئيسي ليكون واجهة سياسية حينها ليس إلا نموذجا عن العنجهية والتكبر الفارسي، الذي يقول للعالم نعم إن مرتكب عملية قتل جماعية لآلاف المعارضين السياسيين هو شريككم. ومع إدارة كالإدارة الأميركية الحالية، الأمر ليس مستغربا لدى كثيرين.